اقتصاد

جابر افتتح أعمال مؤتمر مشروع “دعم إعداد الموازنة الوطنية وتحسين الإنفاق العام”

افتتح وزير المالية ياسين جابر أعمال مؤتمر مشروع “دعم إعداد الموازنة الوطنية وتحسين الإنفاق العام في لبنان”، المنفذ من خلال برنامج SIGMA التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وذلك في السرايا الحكومية، في حضور أعضاء لجنة المال والموازنة النيابية وعدد من المديرين العامين وممثلين عن الاتحاد الأوروبي وبرنامج SIGMA وحشد من الشخصيات والمسؤولين العسكريين وفعاليات اقتصادية والجهات الدولية الشريكة.

وقال الوزير جابر، في كلمة :” أود أن أبدأ بتوجيه الشكر إلى الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي OECD، ومبادرة SIGMA، على دعمهم المستمر للبنان، ولا سيما في مسار تعزيز الإدارة المالية العامة وإصلاح عملية إعداد الموازنة وتحسين الإنفاق العام”.

أضاف :”إن هذا الدعم يأتي في مرحلة بالغة الأهمية بالنسبة إلى لبنان، لأن إصلاح الموازنة ليس إصلاحاً تقنياً فحسب، بل هو جزء أساسي من إعادة بناء الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ وتحقيق النتائج.

من إدارة الأزمة إلى قيادة التعافي

تابع :”لبنان اليوم ما زال يواجه تراكم أزمات حادة، فيما خلّفت الحرب والاعتداءات الاسرائلية المستمرة تداعيات إنسانية واقتصادية ومادية هائلة، وألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والممتلكات.

وفي ظل هذا الواقع، اعتمدنا، وما زلنا نعتمد، مساراً ذو بُعدين متلازمين:

الأول، الاستجابة السريعة للأزمات وتلبية الاحتياجات الملحّة؛

والثاني، الاستعداد للتعافي والعمل على المحركات الاستراتيجية للنهوض فور توافر الظروف الملائمة.

وهذا التلازم هو في صلب مسؤوليتنا اليوم.

فالاستجابة للأزمات تتطلب، في ظل استمرار عدم الاستقرار، انضباطاً مالياً صارماً وأولوية واضحة للإنفاق.

الى حين انجاز إعادة هيكلة مكتملة للقطاع المالي والمصرفي، واستعادة الثقة، وإمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال، يبقى الحفاظ على الانضباط المالي وعلى موازنة متوازنة ركيزة أساسية للاستقرار المالي والنقدي.

وقد تمكنا، رغم الظروف الصعبة والمتطلبات المتزايدة، من الحفاظ على سلامة المالية العامة وتفادي الانزلاق إلى اختلالات مالية قد تقوّض الاستقرار، وذلك من خلال ترتيب صارم لأولويات الإنفاق، وإدارة منضبطة للسيولة، وجهد مستمر في تعبئة الإيرادات.

لقد كان هذا الانضباط ضرورياً، لكنه ليس هدفنا النهائي”.

وإستطرد جابر :”فإذا كانت الموازنة قد شكلت، خلال سنوات الأزمة، أداة لإدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار، فإن المرحلة المقبلة تتطلب أن تصبح أداة لقيادة التعافي وبناء الدولة.

وهنا تبدأ عملية إصلاح إعداد الموازنة، الموازنة ليست أرقاماً — إنها رؤية الحكومة. نحن بحاجة إلى الانتقال من موازنة هدفها الأساسي ضبط الإنفاق وتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، إلى موازنة استراتيجية تعكس رؤية الحكومة وأولوياتها.

فالموازنة ليست مجرد عملية محاسبية، الموازنة هي الترجمة المالية لسياسات الحكومة وهي الأداة التي نحوّل من خلالها: الرؤية إلى أولويات، والأولويات إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى اعتمادات، والاعتمادات إلى نتائج قابلة للقياس ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يحكم إعداد الموازنة لم يعد فقط: كم نستطيع أن ننفق؟ بل:ماذا نريد أن نحقق؟ وما هي الموارد التي نحتاجها لتحقيقه؟ وهذا هو جوهر الانتقال إلى الموازنة الاستراتيجية والموازنة القائمة على البرامج والنتائج.

إن مسؤولية الموازنة هي مسؤولية حكومية متكاملة وهذا التحول يتطلب تغييراً جوهرياً في طريقة إعداد الموازنة”.

وأردف :”يجب أن تصبح الموازنة عملية حكومية متكاملة، تقوم على مسؤولية مشتركة وواضحة لدى جميع ادارات الدولة ومؤسساتها، يبدأ المسار من مجلس الوزراء، الذي يحدد الرؤية والأهداف والأولويات الاستراتيجية للحكومة، ثم تنتقل هذه الأولويات إلى الوزارات والإدارات العامة، التي يجب أن تتولى مسؤولية ترجمتها إلى استراتيجيات قطاعية وأهداف وبرامج واعتمادات واضحة، وأن تحدد الموارد اللازمة لتنفيذها. فالوزارة التي تضع السياسة وتنفذها يجب أن تمتلك القدرة على التخطيط لها، وتحديد مواردها، وقياس نتائجها، وأن تتحمل في المقابل مسؤولية أكبر عن هذه النتائج”.

ولفت جابر الى ان “وزارة المالية، فدورها هو وضع الإطار المالي، وتحديد القيود والإمكانات المتاحة، وضمان الانضباط المالي الكلي والاستدامة المالية، والتأكد من أن الخيارات والسياسات تنسجم مع الموارد المتاحة والأهداف العامة للحكومة.

وهنا يأتي دور الإطار المالي متوسط الأجل — MTFF، الذي يحدد السقف المالي الذي يجب أن تتحرك ضمنه السياسات الحكومية، وبسقوف واضحة للوزارات والقطاعات، وربط الموارد بالأولويات بكفاءة وضمانة الاستخدام الأفضل للموارد”.

وأكمل جابر :”إن توزيع المسؤوليات وتعزيز المساءلة عبر الوزارات والإدارات هو شرط أساسي للانتقال إلى موازنة استراتيجية حقيقية.

وهنا يأتي دور شركائنا، ولا سيما OECD وSIGMA، في دعم بناء القدرات وتطوير الأنظمة والأطر المؤسساتية التي تسمح لهذا التحول بأن يصبح مستداماً.

إن التحول الرقمي جزء من الإصلاح ولا يمكن أن ننجح في هذا المسار من دون تحديث أدواتنا.

فالانتقال إلى موازنة حديثة يتطلب تبسيط الإجراءات، وتحسين جودة البيانات، وربط التخطيط بإعداد الموازنة وبالتنفيذ والتقارير، والعمل على بناء أنظمة رقمية متكاملة.

فالتحول الرقمي ليس مجرد تحديث تكنولوجي. إنه أداة لإعادة تنظيم العمل الحكومي نفسه وهو ما يسمح لنا بالانتقال من إجراءات مجزأة إلى دورة متكاملة للموازنة، ومن التخطيط القصير الأجل إلى التخطيط الاستباقي، ومن التركيز على بنود الإنفاق إلى التركيز على السياسات والبرامج والنتائج.

إن إصلاح الموازنة هو إصلاح لمنهجية العمل في الدولة، نحن ندرك أن الانتقال من واقعنا الحالي إلى نظام حديث لإدارة الموازنة هو مسار متوسط الأجل، ولن يتحقق بين ليلة وضحاها”.

وتابع جابر مستدركا :”لكن علينا أن نبدأ اليوم، وأن نكون واضحين بشأن أهدافنا:

نريد موازنة أكثر شفافية واستراتيجية، نريد وزارات وإدارات تتمتع بمسؤولية أكبر، وبقدرة أكبر على التخطيط، وبمساءلة أكبر عن الموارد التي توضع في عهدتها، ونريد أن يُقاس الإنفاق العام ليس فقط بما إذا كان قد تم ضمن الاعتماد المخصص، وإنما أيضاً بما حققه للمواطن.

لأن تحسين الإنفاق العام لا يعني فقط أن ننفق أقل، بل أن ننفق أفضل، وأن نوجه مواردنا المحدودة إلى ما يحقق أكبر أثر ممكن”.

واعتبر الوزير جابر “إن إصلاح إعداد الموازنة في لبنان هو في جوهره إصلاح لطريقة عمل الحكومة. أما الموازنة فهي ليست مجرد أرقام، إنها تعكس خياراتنا الوطنية، وتحدد أولوياتنا، وتترجم رؤيتنا، واليوم نطمح للانتقال: من موازنة لإدارة الأزمة إلى موازنة تقود التعافي، ومن الانضباط المالي كضرورة، إلى التخطيط الاستراتيجي كأداة لبناء الدولة”.

كلمة الاتحاد الأوروبي

بدورها ، رئيسة قسم التعاون في الإتحاد الأوروبي أليساندريا فيتسر، أكدت في كلمتها “أن موازنة الدولة ليست مجرد إجراء محاسبي بل هي أداة أساسية للسياسة العامة تترجم الأولويات السياسية إلى موارد، وأن إيجاد موازنة موثوقة يُعدّ أمراً جوهرياً لإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، فضلاً عن كونها عنصر هام في برنامج الإصلاح اللبناني والتفاوض مع صندوق النقد الدولي”.

وأعلنت “تخصيص الاتحاد الأوروبي برنامجاً جديداً بقيمة مليون يورو يُنفّذ بالتعاون مع برنامج SIGMA لمواصلة دعم المراحل القادمة من إصلاح الموازنة، بما في ذلك إعداد موازنة عام 2027 والموازنات اللاحقة”.

وشددت على “أن التنسيق والدعم التقني الدولي لا يمكن أن يحيلا محل “الملكية الوطنية”، مؤكدة “أن إصلاح المالية العامة هو بالدرجة الأولى مسؤولية أجهزة الدولة اللبنانية برلماناً وحكومة ووزارات”.

وأوضحت “أن نجاح هذا المشروع لن يُقاس بعدد التمارين التقنية المنجزة، بل بمدى قدرة لبنان على اتخاذ قرارات موازنية صعبة بأسلوب شفاف وتوجيه الموارد الشحيحة نحو خدمات أفضل ونشاطات ملموسة للمواطنين”.

 

كلمة برنامج SIGMA

نائبة رئيس برنامج SIGMA بياتكا بريتيش عبّرت عن” اعتزاز المنظمة بإطلاق هذا المشروع البالغ مدته 18 شهراً والممول من الاتحاد الأوروبي لدعم حوكمة المالية العامة في لبنان. وأكدت أن الموازنة الشفافة والفعالة تمكّن الحكومات من الاستجابة للأزمات وبناء الثقة”.

وقالت إن الأركان الأربعة للمشروع ، إعداد استراتيجية شاملة لإصلاح الموازنة لوضع رؤية متماسكة وتحديد أولويات الإصلاح بطريقة واقعية ومستدامة، وتعزيز الإعداد التنازلي للموازنة عبر تقديم الدعم لوزارة المالية لإعداد أطر مالية متوسطة الأجل وسقوف إنفاق للوزارات وتعزيز الإعداد التصاعدي للموازنة عبر دعم الوزارات القطاعية في تحسين تقدير التكاليف والتخطيط والاستفادة من الخبرات الدولية والممارسات الفضلى من خلال التعلم من الأقران وتبادل الخبرات مع دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والاتحاد الأوروبي والشراكة والملكية”.

وأوضحت “أن المشروع لا يهدف لنقل نماذج جاهزة من الخارج بل يعتمد على الشراكة والتكيف مع الواقع المحلي والظروف التي تعمل بها الإدارة العامة اللبنانية ودور البرلمان بحيث شددت على أهمية دور مجلس النواب في دراسة الموازنات والرقابة على الإنفاق لضمان استدامة المالية العامة والصدقية”.

مداخلات

وشهد المؤتمر مداخلات لكل من مديرة الموازنة كارول أبي خليل ومدير المحاسبة العامة عبد الحفيظ سوبرة، وكان تقديم لعروض تقنية، فصّلت تصميم المشروع وأهدافه، تلاها حلقات نقاش بمشاركة مدير المالية العامة جورج معراوي والمديرين المعنيين في الوزارات والجهات الدولية الشريكة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى